يظهر على الشاشة أحد قادة البدو وعلى جانبيه رهط كبير من مسلحيه، ليريق القهوة من دلتها على الأرض ويقسم: "لا نشربها حتى ننتصر!" وتخفق قلوب كثيرة هلعًا أو إشفاقًا، فما سيراق دم كثير، وليس القهوة فقط.
أحداث السويداء، بالرغم من تفاصيلها الأليمة، أيقظت في المجتمع السياسي السوري ظاهرة خطيرة: قوة البدو حقيقة مادية قائمة على الأرض بعد أن كانت هاجعة لقرون طويلة في العقل الباطن لكثير من مجتمعات المنطقة.
ما معنى أن يهبّ في يوم أو يومين أكثر من خمسين ألف شخص للقتال في السويداء وغيرها؟ هل حدث ذلك بقرار عفوي تلقائي داخلي محض لدى البدو؟ (البدوي يهبّ إذ مس عرضه أو أرضه)؛ أم بإيعاز وتسليح رسمي من الحكومة السورية، وقبول أو رضا أميركي؟ "ثمة مؤشرات على خلاف طفيف أميركي إسرائيلي في موضوع السويداء". أرجح تقدير هو أنه حدث بكليهما. وأيّ كان الدافع الأولي لهذا التحرك، فهو خطير جدًا، وهو سيفضي إلى جعل الصراع في السويداء خاضعًا لفوضى الحرب الأهلية لا لقانون الدولة ومنطقها وأجهزتها الأمنية. وهو قابل للتطور لتداعيات أساسية كبيرة: ماذا لو زحف البدو إلى دمشق؟ وإذا لم يسيطروا عليها، فهم سيطالبون بنفوذ بديل أو موازٍ لأغراب جاءوا مع حكامها الجدد بدافع العصبية الدينية التي يضعها البدو بدرجة ثانية بعد عصبيتهم القبلية وتجر المدينة إلى صراع دموي.
ماذا لو تحرك البدو في ساحاتهم الهائلة الممتدة من بادية الشام شرقًا وشمالًا وجنوبًا، وأقحموا دولًا مجاورة بمزاج القهوة المسكوبة؟ فمن المعروف أن أغلب البدو في منطقتهم الكبيرة العابرة للحدود (لا يعترفون بها إلا لفظًا) يدينون بالولاء لشيوخ لهم في العراق (وهم رؤوس كبيرة: لشمر وعنزة وأصولهم وتفرعاتهم في مئات القبائل والعشائر والأفخاذ، وكلمتهم مسموعة لدى حكام السعودية والكويت والإمارات، فهم يُعدّون من أصلابهم). هل هذا الظهور جدي راسخ أم هو حالة انفعال طارئ، لمهمة محددة، ثم لا يلبث أن يتلاشى؟
إذا كان هذا الظهور جديًا يطمح للبقاء والتمدد، فهو مؤشر على أن الصراع في المنطقة بين التحضر والتمدن والحداثة مع إرث الماضي وعقابيله قد حُسم لصالح البداوة، أو في الأقل قد غيّر في أسسه وقواعده. وإن الصراع مع الخارج سيكون مختلفًا عن أصوله القديمة القائمة على مفاهيم القومية العربية والصراع الطبقي التي استُهلكت بالضخ الأيديولوجي المشوش المرتبك والفشل الميداني الطويل. وإن المشروع الديني قد توقف مختنقًا بمأزقه الطائفي الدموي، ولعبة تدخل الجيش في السياسة التي زجّت الشعب في ثورات وانقلابات وحروب وحصارات قد انتهت لصالح القهوة البدوية المسكوبة. وقواعد تشكّل الأحزاب قد نُسفت؛ فها هم البدو يستطيعون تنظيم مسلحيهم بمئات الآلاف في بضعة أيام.
ولكن قد يكون كل هذا مجرد هواجس وتكهنات وتحليل جامح، وإن هذا الظهور البدوي سوري خاص، وهو حدث عابر وجاء ذريعة أو تكيّفًا لدخول قوة موالية للدولة السورية بعد أن منع بنيامين نتنياهو دخول الجيش السوري إلى السويداء.
هل يكون الأمر بذلك قد انتهى تمامًا؟ من الواضح أنَّ نتنياهو لم يتدخل ويقصف دمشق ومراكزها السيادية حبًا بالدروز، فلو كان كذلك لما حال دون أن يقوم السوريون بحل قضيتهم على أسس وطنية عادلة منصفة لكل الأطراف، فالدروز مجتمع عربي أصيل نبيل له مآثر في تاريخ سوريا ويرفض هو قبل غيره حماية الإسرائيليين له. ومن يقتل نساء وأطفال غزة بهذه الوحشية والجنون لا يُنتظر منه أن يكون رحيمًا بالدروز وغيرهم.
لنتنياهو مشروعه وحروبه المركبة والمعقدة، ولم يعد خافيًا أنه يريد تمزيق سوريا بمختلف الفتن لاختراقها والاقتراب من حدود العراق والسعودية وإيران وتركيا وتطويق الأردن. وهذه منطقة واسعة يشكّل البدو والمنحدرون منهم غالبيتها الساحقة، وقد عُرفوا بشجاعتهم وبسالتهم في ذودهم عن أرضهم وكرامتهم، وأيّ حديث عن شرق أوسط جديد لا بد أن يمسّهم بهذا القدر أو ذاك، فهل ستتطور الأحداث بسرعة، ويغدو ظهور البدو قوة موازية أو متفوقة على دولها وجيوشها فيُسكب الكثير من القهوة هناك وهناك؟
Provided by SyndiGate Media Inc. (Syndigate.info). 2025-07-26T07:08:16Z